أصبحت التقارير السنوية اليوم أكثر من مجرد وثائق تُنشر في نهاية العام؛ إنها واجهة رسمية تكشف مستوى التزام الجهة بالشفافية، ودقة البيانات، وجودة الأداء. وبينما يرى البعض أن هذه التقارير مجرد واجب تنظيمي، إلا أنها في الحقيقة عنصر أساسي في تقييم المؤسسات، سواء كانت حكومية أو شركات مدرجة أو هيئات تنظيمية.
ولأن جودة التقرير السنوي لا تتعلق فقط بالمحتوى، بل أيضًا بمدى الالتزام بالمعايير والضوابط التي تضعها الجهات الرقابية، برز دور ثلاث جهات رئيسية في المملكة: الجهات التشريعية والرقابية، وهيئة السوق المالية، والمركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة “أداء”.
وفي هذا المقال نستعرض كل جهة ودورها في وضع ضوابط نشر التقارير السنوية، وما الذي يجعل هذه الضوابط جزءًا مهمًا من رحلة الحوكمة المؤسسية.
من يضبط جودة التقارير السنوية في المملكة؟
- الجهات الرقابية والتشريعية ودورها الحقيقي
تخضع التقارير السنوية للعديد من الجهات الرقابية التي تتأكد من دقة البيانات، وشفافية المحتوى، واعتماد التقارير المالية. وتختلف المناهج باختلاف طبيعة الجهة، لكنها جميعها ترتكز على معايير واضحة:
- وزارة المالية… البوصلة المالية للمؤسسات الحكومية
تتولى الوزارة ضبط الأنظمة المالية التي ترتكز عليها التقارير الحكومية، وتشرف على:
اعتماد البيانات المالية الختامية.
توحيد النماذج المحاسبية.
متابعة التزام الجهات بدورة الميزانية.
وبحسب تقرير وزارة المالية لعام 2024، رفعت أكثر من 280 جهة حكومية حساباتها الختامية عبر الأنظمة الرقمية، مما رفع مستوى دقة التقارير السنوية الحكومية.
- ديوان المحاسبة… العين الرقابية الأعلى
يراجع الديوان البيانات المالية بدقة لضمان:
صحة الصرف والالتزام بالأنظمة.
جودة البيانات في التقارير السنوية.
كفاءة الإنفاق العام.
يستخدم الديوان معايير مراجعة عالمية لقياس كفاءة الإنفاق والامتثال –وفقًا لـ سعوديبيديا-.
- اللجان الداخلية… خط المراجعة الأول داخل كل جهة
تشمل لجان التدقيق والمراجعة الداخلية وإدارة المخاطر، وتعمل على:
التأكد من صحة البيانات قبل تعزيزها في التقرير.
مراجعة الإجراءات والضوابط التشغيلية.
ضمان التزام الإدارات بمعايير الحوكمة.
- هيئة السوق المالية… الجهة التي تضبط الشفافية والوضوح
تُعد هيئة السوق المالية (CMA) المرجع الرئيس لضوابط التقارير السنوية للشركات المدرجة في “تداول”. وتميزت ضوابط الهيئة بأنها الأكثر صرامة، لأنها تحمي المستثمر وتدعم شفافية السوق.
- ما الذي تشترطه الهيئة في التقرير السنوي؟
من أبرز متطلبات الهيئة:
- نشر التقرير خلال 3 أشهر من نهاية السنة المالية.
- الإفصاح المالي الكامل والبيانات المدققة.
- إضافة تقرير مجلس الإدارة شاملاً الأنشطة والنتائج والمخاطر.
- الالتزام بمعايير الحوكمة والشفافية.
- الإفصاح عن التعاملات مع الأطراف ذات العلاقة.
وصلت نسبة الالتزام بنشر التقارير السنوية في موعدها إلى 97%، وهو أعلى مستوى منذ تأسيس الهيئة -بحسب تقرير هيئة السوق المالية 2023-.
- ما أثر هذه الضوابط؟
أدت ضوابط الهيئة إلى:
- تحسين جودة التقارير ذات العلاقة بالسوق.
- تقليل المخاطر على المستثمرين.
- رفع مستوى الشفافية في السوق السعودية، مما أسهم في دخولها قائمة أكبر 10 أسواق عالمية من حيث حماية المستثمر الفرد (سعوديبيديا 2024).
مركز “أداء”… الدليل الإرشادي الذي غيّر شكل التقارير الحكومية
يُعد مركز أداء الجهة الأكثر تأثيرًا في جودة التقارير الحكومية، إذ وضع المركز دليلًا إرشاديًا أصبح معيارًا تعتمد عليه الوزارات والأجهزة العامة عند إعداد تقاريرها السنوية.
- لماذا وضع مركز أداء دليلًا موحدًا للتقارير؟
لتحقيق عدة أهداف، أبرزها:
- توحيد شكل التقارير الحكومية في جميع الجهات.
- ربط الإنجازات بمؤشرات الأداء الوطنية.
- تعزيز الشفافية وضمان دقة المعلومات.
- رفع جودة المحتوى المؤسسي المنشور.
دعم مركز أداء أكثر من 90 جهة حكومية في تطوير تقاريرها السنوية، وأسهم في تحسين جودة أكثر من 120 تقريرًا حكوميًا خلال عام واحد -وفقًا لـ واس 2024-.
- ماذا يتضمن دليل مركز أداء؟
أولًا: متطلبات المحتوى
يشمل الدليل عناصر إلزامية، مثل:
- التعريف بالجهة (الرؤية – الرسالة – القيم – الاختصاصات).
- الإنجازات والبرامج بالأرقام، وليس بالوصف العام فقط.
- مؤشرات الأداء (KPIs) مرتبطة بمستهدفات رؤية السعودية 2030.
- الحوكمة (لجان، مراجعة داخلية، إدارة مخاطر).
- البيانات المالية المعتمدة.
- التحديات والدروس المستفادة.
وقد سجّل المركز أكثر من 3500 عملية قياس أداء خلال 2024 لصالح جهات حكومية (واس).
ثانيًا: متطلبات الشكل والتصميم
تتضمن:
- هوية بصرية واضحة وسهلة القراءة.
- جداول وبيانات موحدة.
- طريقة معيارية لعرض الإنجازات.
- لغة رسمية دقيقة ومباشرة.
ثالثًا: مراحل اعتماد التقرير في “أداء”
تمر الجهات بخمس مراحل:
- رفع النسخة الأولية عبر المنصة.
- المراجعة الفنية من المركز.
- إرسال الملاحظات للجهة.
- تعديل النسخة وتحسينها.
- اعتماد التقرير ونشره رسميًا.
- ما النتيجة؟
أسهمت ضوابط المركز في:
- رفع جودة التقارير الحكومية بنسبة 40% بين 2023 و2024.
- اتساق التقارير في الشكل والمحتوى بين الجهات.
- رفع مستوى الشفافية وتعزيز ثقة المستفيدين.
خاتمة
وفي ضوء الضوابط التنظيمية التي تحكم نشر التقارير السنوية، تتضح أهمية إعداد هذه التقارير وفق معايير واضحة تضمن دقة البيانات، ووضوح المحتوى، والالتزام بالمتطلبات الرقابية. ومن هذا المنطلق، تأتي كناية بوصفها كيانًا متخصصًا في إعداد التقارير السنوية، يعمل على مواءمة المحتوى مع ضوابط الجهات التنظيمية، وتقديم تقارير احترافية تعكس الأداء المؤسسي وتدعم الشفافية وجودة الإفصاح.